هل يُعتبر التعلم عن بُعد تقنية حديثة أو تقليدية؟ تاريخيًا، يعود ظهور التعلم عن بُعد (بالإنجليزية: Distance Learning) إلى عام 1840م مع بداية التعلم بالمراسلة، ثم ظهرت فكرة التعليم المفتوح (بالإنجليزية: Open Education) وذلك بإنشاء الجامعة المفتوحة في المملكة المتحدة عام 1963م، والتي كانت تُعرف بجامعة الهواء.
لذا، يُعتبر التعلم عن بُعد امتدادًا للتعليم المفتوح والتعلم بالمراسلة. يشير مصطلح التعلم عن بُعد إلى عملية تعليمية لا تتضمن اتصالًا مباشرًا بين المعلم والطالب، حيث يتواجد كل منهما في مكان وزمان مختلفين، ويكون التواصل من خلال الوسائط التعليمية سواء كانت مطبوعة أو إلكترونية. وهذا يدعم مبادئ التعلم المستمر، وتخصيص التعليم، والتعلم الذاتي، وحرية التعليم. في العصر الحديث، تطورت هذه التقنية لمواكبة التطور التكنولوجي والمعرفي.
لقد شهد التعلم عن بُعد أربعة أجيال وهي:
عند السؤال عن الفوائد التي يتميز بها التعلم عن بُعد مقارنةً بالتعليم التقليدي، وضعت دراسة إحصائية أجرتها جامعة سيليزيا (بالإنجليزية: University of Silesia) في عام 2019 العديد من الجوانب المميزة، ومنها:
هل يحقق التعلم عن بُعد جميع أهداف العملية التعليمية؟ بالطبع لا، إذ تنقسم الأهداف التعليمية إلى ثلاثة أنواع: الأهداف المعرفية، المهارية، والوجدانية. يمكن تحقيق الأهداف المعرفية والوجدانية في حين يصعب بشكل كبير تحقيق الأهداف المهارية، حيث يقتصر التعلم على المواد النظرية دون القدرة على تنفيذ التجارب الحية. لذا، فإن من سلبيات التعلم عن بُعد ما يلي:
بحسب آراء الخبراء، يعتمد نجاح أنظمة التعلم عن بُعد، سواء المتزامن أو غير المتزامن أو الهجين، بالإضافة إلى التعليم الإلكتروني والدورات التدريبية عبر الإنترنت، على عدة عوامل مساعدة.
يرى العالم باركر أن المعلم يُعتبر من العوامل الأساسية لنجاح التعلم عن بُعد، ويجب أن يمتلك المهارات التقنية اللازمة لاستخدام الأجهزة الحديثة ووسائط التواصل الاجتماعي والبرامج التطبيقية، مما يساهم في تحسين العملية التعليمية، وهذا يتطلب تدريبة جيدًا.
كما أشار العالم ماكينيزي إلى أهمية وجود دافع داخلي لدى الطلاب لتحقيق التعلم والتغلب على التحديات، مما يسهم في استمرار التعلم. كما يجب توفر الدعم المالي ومنح الوقت الكافي للتدريب على النظام، واللامكانية لاستخدام الأجهزة والتقنيات.
أضف إلى ذلك، قدرة الطلاب على إدارة الوقت والالتزام بالمهام، والتواصل الفعال مع المعلم أثناء عملية التعلم، مما يحقق الأهداف التعليمية المطلوبة. كما يتطلب الأمر وجود بيئة تعليمية ملائمة للطالب من حيث الهدوء والإضاءة المناسبة، بالإضافة إلى توفر أجهزة الاتصال والإنترنت والمواد التعليمية الإلكترونية والمطبوعة، مما يعزز من مستوى التحصيل الدراسي للطلاب ويدعم وجود بنية تحتية أساسية.
تشير العلوم النظرية إلى مجموعة العلوم التي توفر معرفة مجردة، مثل علم النفس، علم الاجتماع، الفلسفة، والتاريخ، وغيرها. من مميزات التعلم عن بُعد أنه يسهل إعداد المواد التعليمية الإلكترونية والمطبوعة الخاصة بهذه العلوم وتقديمها للطلاب، مما يمكنهم من الاطلاع والتعلم بسهولة ودون الحاجة إلى تطبيق عملي، على عكس العلوم التطبيقية مثل الهندسة والطب.
لذلك، يمكن استنتاج أن التعلم عن بُعد يلعب دورًا مهمًا في تدريس المفاهيم النظرية لمختلف العلوم، كما يمكن تطبيقه أيضًا في جوانب العلوم التطبيقية فيما يتعلق بالتعليم النظري مع تدريس الجانب العملي بشكل مباشر. وبالتالي، يمكن اعتماد مفهوم التعلم المدمج (بالإنجليزية: Blended Learning) في النظام التعليمي ككل، حيث يجمع بين التعلم عن بُعد والتعليم التقليدي (بالإنجليزية: Traditional Education).
مؤخراً، خلال جائحة كورونا (بالإنجليزية: Coronavirus disease (COVID-19))، قدمت العديد من الدول العربية والعالمية برامج التعليم عن بُعد بشكل مجاني للطلاب، حيث تم اعتماد منصات تفاعلية وغير تفاعلية في العملية التعليمية. على سبيل المثال، في الأردن (بالإنجليزية: Jordan)، تم إطلاق منصة درسك لجميع الطلبة، التي زُودت بمقاطع الفيديو التعليمية وفق المناهج المعتمدة، وقد أُجريت عبرها الاختبارات الشهرية والنهائية.
من خلال هذه المنصة، استطاع الطلاب التواصل مع المعلمين وتبادل المعلومات، بالإضافة إلى تقديم الواجبات من قبل المعلم وتنفيذ الطلاب لها. ورغم التحديات التي واجهتها بعض الفئات، مثل عدم توفر شبكة الإنترنت والأجهزة الإلكترونية بسبب التكاليف، إلا أن أغلب الطلاب تمكّنوا من الاستفادة من هذه العملية التعليمية بشكل خاص في العلوم النظرية والعملية، وقد استطاعت العديد من الدول تحقيق نجاح كبير مما يعكس حرصها على استمرارية التعليم.
تُعتبر الولايات المتحدة رائدة في تطبيق نظام التعلم عن بُعد، حيث يُشجع كل طالب على إكمال دورة واحدة على الأقل عبر الإنترنت. كذلك، تقدم الولايات المتحدة مجموعة من برامج البكالوريوس والماجستير والدكتوراه بتطبيق نظام التعلم عن بُعد، حيث تتبنى حوالي 65% من المؤسسات التعليمية الأمريكية هذا النظام كجزء من استراتيجيتها طويلة المدى. وينطبق الأمر نفسه على المملكة المتحدة، التي خصصت التمويل اللازم لدعم تطوير نظام التعلم عن بُعد وموارده التعليمية.
في هذا المقال، تم تناول مفهوم التعلم عن بُعد وأصوله التاريخية، بالإضافة إلى ذكر المواجهة الأولى للدول التي اعتمدت هذا النظام، وفوائد وفقدات التعلم عن بُعد مستندة إلى دراسات موثوقة. كما تم التطرق إلى آراء الخبراء حول العوامل المؤثرة في نجاحه، ودور هذا النظام في العلوم النظرية، إلى جانب تقديم أمثلة على دول حققت نجاحًا في تطبيق التعلم عن بُعد.
أحدث التعليقات