يعد الصمت من الفنون التي لا يتمكن منها الكثيرون. فالأشخاص القادرون على إتقانه غالباً ما يصبحون مبدعين أيضاً في كلماتهم. ومن الجهل الاعتقاد بأنّ الصمت يعبر عن جهل أو خوف من مواجهة المواقف، بل يعتبر الصمت أساس الحكمة والمعرفة. وقد أثنى العديد من الأدباء على قيمة الصمت ونقدوا الكلام الزائد. في هذه المقالة، سنستعرض بعض الحكم الملهمة التي قيلت في مدح الصمت.
في الخاطرة الأولى:
يتحدث الناس عن الوحدة فأبتسم، فلم يعرف أحد ما تعنيه الوحدة بالنسبة لي. يذكرون الصمت فأستجيب بابتسامة، لأن لا أحد عشق الصمت وأصبح مدمنًا عليه مثلما فعلت. عندما يتحدثون عن البرد، أبتسم مرة أخرى؛ لأن لا أحد تأثر به كما تأثرت أنا. ولكن عندما يتحدثون عنك، أجدني أبكي، لأنه لا يوجد من يحبك مثلي. وعندما أكتب، لا أكتب بحبر عادي، بل بدماء القلوب. سامحوني إن كانت بعض الجروح واضحة في كلماتي؛ فقد سئمت من الحديث وقررت أن أصمت وأترك العيون تتحدث. سأدع الحبر يتكلم بدلاً مني، لأننا نحن من نتقن الصمت، فيفترض أن نتحمل وزر النوايا.
في الخاطرة الثانية:
أصمت، ورغم ذلك تبقى صفحات البوح خالية، لا تملأها كل تلك الأحاديث التي أتحدث بها مع نفسي. تبقى الصفحات فارغة سوى من سطور الدموع التي تذرفها عيون المعاناة، سطور تتألم في صمت. اخترت الصمت، لأن الكلمات تحتاج إلى معانٍ مفقودة وأحرف غير مألوفة. أصمت لأن الصمت هو الحل الأوحد، هو ملاذي من ضجيج الكلام. أصمت لأكسر القيود اللغوية، وأستطيع التعبير بحرية في عالم الصمت، حيث لا توجد حدود أو قيود. أصمت، لأن الكلمة قد تقودني إلى مجهول لا أريد التوجه إليه. صمتي احتجاج على ظالم لا أستطيع مواجهته، لأنه لم يعد من الممكن الخروج من تلك الدوامة. أصمت لأن في عروقي أسى، وفي قلبي وجعاً تتجاوز قدرات الكلمات على تحمله. أصمت، لأن الصمت هو حكمة عظيمة.
الشاعر عبد الغني النابلسي، المعروف بعلمه بالأدب والدين، عُرف بأنه من أبرز الشعراء. وُلِد ونشأ في دمشق ومرّ بعدة بلدان قبل أن يعود إليها، له العديد من المؤلفات. في قصيدته يقول:
تعلم حفظ آفات اللسان
لتحصل على الأمان والأماني
واخزيها إنها سبعون شيئاً
حكت في نظمها عقد الجمان
فالكفر والخطأ مع خوف كفر
وكذب ثم سب في هوان
وفحش غيبة ونميمة وجدل
وسخرية وتعريض ولعن
وإفشاء أسرار وخصومة
وطعن في مجال العيدان
سؤال المال والدنيا نفاق
بقول والكلام لدى الآذان
سؤال عن أغاليط وأيضاً
عوام الناس عن صعب المعاني
وحالة خطبة وبلوغ مراد
وبعد طلوع فجر العيان
وحالة دخول في المسجد مع
التقاء لحاجات تعاني
وفي حال الصلاة وفي جماع
وعن قول مع كبير الشأن
بألقاب نبز يمين
غموس أو بغير الله ناني
إخافة مؤمن وكثرة قوله
من دون إبطاء.
قصيدة “هدير الصمت” للشاعر محمود درويش، الذي وُلد في قرية البروة وكان شاعراً كبيراً للقضية الفلسطينية. في قصيدته يقول:
أُصغي إلى الصمت، هل ثمة صمت؟ لو
نسينا اسمه، وأرهفنا السمع إلى ما فيه،
لسمعنا أصوات الأرواح الهائمة
في الفضاء، والصرخات التي اهتدت إلى
الكهوف الأولى. الصمت صوت تبخر واختبأ
في الريح، وتكسرت أصداء محفوظةً في
جرارٍ كونية. لو أرهفنا السمع لسمعنا
صوت ارتطام التفاحة بحجر في بستان الله،
وصرخة هابيل الخائفة من دمه الأول،
ولسمعنا تأملات يونس في بطن الحوت،
والمفاوضات السّرية بين الآلهة القدامى. لو أرهفنا السمع
إلى ما وراء حجاب الصمت، لاستمعنا إلى
أحاديث الليل بين الأنبياء وزوجاتهم،
وإلى إيقاعات الشعر الأولى، وإلى
شكوى الأباطرة من الضجر، وإلى حوافر
خيل في حرب مجهولة الزمان والمكان، وإلى
الموسيقى المصاحبة لطقس الدعارة المقدس،
وإلى بكاء جلجامش على صاحبه أَنكيدو،
وإلى حيرة القرد حين قفز من الشجرة
إلى عرش القبيلة، وإلى الشتائم المتبادلة
بين سارة وهاجر. لو أرهفنا السمع
إلى صوت الصمت… لصار كلامنا أقل!
أحدث التعليقات